الشيخ محمد النهاوندي
53
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 1 » فأنصت عليّ عليه السّلام تعظيما للقرآن ، حتّى فرغ من [ الآية ثم عاد في ] قراءته ، ثمّ أعاد ابن الكوّاء الآية ، فأنصت عليّ عليه السّلام أيضا ، ثمّ قرأ فأعاد ابن الكوّاء ، فأنصت عليّ عليه السّلام ، ثمّ قال : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ » « 2 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 205 إلى 206 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بالإنصات عند تلاوة القرآن ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين بإخفات ذكر اللّه لكونه أقرب إلى الإخلاص ، بقوله : وَاذْكُرْ يا محمّد رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ وفي الخفية بحيث لا يسمع ذكرك غيرك ، حال كونك تتضرّع إليه وتخاف منه تَضَرُّعاً وَخِيفَةً . قيل : معنى الذّكر في النّفس : كون الإنسان عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها باللّسان ، مستحضرا لصفات اللّه الكمالية وعزّه وعلوّه وجلاله وعظمته . وفي توصيف ذاته المقدّسة بصفة الربوبيّة في المقام إشعار بكمال رحمته وقربه من الذّاكر ، وفضله وإحسانه إليه . وقيل : إنّ الخطاب في الآية إلى الإنسان ، لا خصوص النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ رخّص سبحانه في ترك المبالغة في الإخفات ، وأن يذكربصوت فوق الإخفات بقوله : وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ وفوق الإخفات ، فيكون متوسّطا بينهما . وعن ابن عبّاس : إنّ المعنى أن يذكر ربّه على وجه يسمع نفسه « 3 » . بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ والصّباح والمساء ؛ لكونهما أفضل الأوقات وَلا تَكُنْ في وقت من الأوقات مِنَ الْغافِلِينَ عن ربّك وذكره واللّاهين عنه . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً يعني : مستكينا وَخِيفَةً يعني : خوفا من عذابه وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ يعني : دون الجهر من القراءة بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني : بالغداة والعشيّ » « 4 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « من ذكر اللّه في السرّ فقد ذكر اللّه كثيرا ، إنّ المنافقين كانوا يذكرون اللّه
--> ( 1 ) . الزمر : 39 / 65 . ( 2 ) . التهذيب 3 : 35 / 127 ، تفسير الصافي 2 : 263 ، والآية من سورة الروم : 30 / 60 . ( 3 ) . تفسير الرازي 15 : 108 . ( 4 ) . تفسير العياشي 2 : 179 / 1678 ، تفسير الصافي 2 : 264 .